الشنقيطي

238

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا [ مريم : 17 ] تعدية أرسل بنفسه ، يدل على أن الذي أرسل يمكن إرساله بنفسه ، وهو فرق عند أهل اللغة ، بينما يرسل نفسه وما يرسل مع غيره كالرسالة ، والهداية ، فيقال فيه : أرسلت إليه بكذا ، كما في قوله : وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ [ النمل : 35 ] الآية . فالهدية لا ترسل بنفسها ، ومثله بعثت ، تقول : بعثت البعير من مكانه ، وبعثت مبعوثا ، وبعثت برسالة ، ثانيا قوله : فَتَمَثَّلَ لَها [ مريم : 17 ] لفظ الروح مؤنث ، كما في قوله تعالى : فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ( 83 ) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ [ الواقعة : 83 - 84 ] أنت الفعل في بلغت ، وهنا الضمير مذكر عائد لجبريل . وقوله : فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا [ مريم : 17 ] ، ولو أنه من روح اللّه على ما ذهب إليه النصارى ، لما كان في حاجة إلى هذا التمثيل . ثالثا قوله لها : إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ [ مريم : 19 ] ورسول ربها هو جبريل عليه السلام ، وليس روحه تعالى . رابعا : قوله : لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا [ مريم : 19 ] ، ولم يقل لأهب لك روحا من اللّه . ومن هذا أيضا قوله تعالى للملائكة إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ [ ص : 71 ] يعني آدم عليه السلام فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [ ص : 72 ] أي نفخت فيه الروح التي بها الحياة ، فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ [ ص : 72 ] . فلو أن الروح من اللّه لكان آدم أولى من عيسى ، لأنه لم يذكر إرسال رسول له ، وقد قال تعالى : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 59 ) [ آل عمران : 59 ] ، فكذلك عيسى عليه السلام لما بشرتها به الملائكة ، قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 47 ) [ آل عمران : 47 ] ، فكل من آدم وعيسى ، قال له تعالى كن ، فكان . واللّه تعالى أعلم .